السيد عباس علي الموسوي

84

شرح نهج البلاغة

الشرح ( ثم خلق سبحانه لإسكان سماواته وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته ) . كلمة ابن أبي الحديد : . هناك كلمة لابن أبي الحديد في شرحه عند استعراضه لحديث الإمام عن الملائكة في هذا الفصل يقول بلفظه : . هذا موضع المثل « إذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل » إذا جاء هذا الكلام الرباني واللفظ القدسي بطلت فصاحة العرب وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص ، ولو فرضنا أن العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ من أين لهم المادة التي عبّرت هذه الألفاظ عنها ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله هذه المعاني الغامضة السمائية ليتهيأ لها التعبير عنها أما الجاهلية فإنهم إنما كانت فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ونحو ذلك ، وأما الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهما كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة أما في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذم الدنيا أو ما يتعلق بحرب وقتال من ترغيب أو ترهيب أما الكلام في الملائكة وصفاتها وصورها وعباداتها وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وحبها له وولهها إليه وما جرى مجرى ذلك مما تضمنه هذا الفصل على طوله فإنه لم يكن معروفا عندهم على هذا التفصيل ، نعم ربما علموه جملة غير مقسمة هذا التقسيم ولا مرتبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم ، وأما من عنده علم من هذه المادة كعبد اللّه بن سلام وأمية بن أبي الصلت وغيرهم فلم تكن لهم هذه العبارة ولا قدروا على هذه الفصاحة فثبت أن هذه الأمور الدقيقة في مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلا لعلي وحده . وأقسم أن هذا الكلام إذا تأمله اللبيب اقشعر جلده ورجف قلبه واستشعر عظمة اللّه العظيم في روعه وخلده وهام نحوه وغلب الوجد عليه وكاد أن يخرج من مسكه شوقا وأن يفارق هيكله صبابة ووجدا . أقول : هذه شهادة أحد أهل الخبرة ممن تذوق الكلام العلوي ووقف على سر ما تحته من المعاني ولا غرابة في ذلك فعلي في التاريخ واحد يجب أن يكون كلامه واحد متميز . . . وفي هذا الفصل يتناول الإمام في كلامه الملائكة وصفاتهم وعباداتهم وخشوعهم